الفضائل الخاصة والأوصاف الشريفة قاصرة على أصحابها ولا تنتقل لغيرهم بالتوارث!

فلقب الصدِّيق المضفى على أبي بكر رضي اللهُ عنه، وصفٌ قاصر عليه لا يتعداه إلى ذريته من بعده.
ولقب الفاروق .. كذلك حصري على عمر رضي اللهُ عنه دون ذريته.
ومثله لقب ذي النورين .. ولقب أمين الأمة.. ولقب حواري رسول الله .. وأسد الله .. وسيف الله .. وأمين السر … وغيرها من الألقاب التي أضفيت على عدد من الأصحاب الكرام رضي اللهُ عنهم، هي ألقاب وأوصاف وأوسمة نبويةٌ شريفة قاصرة عليهم لا تتعداهم بالتوارث إلى ذريتهم.
ومن ذلك قوله ﷺ في الحسن بن علي رضي اللهُ عنه: «إن ابني هذا سيد …»؛ فهو لقب مشفوع بذكر سببه، وهو أن الله (يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)؛ وهو لقب قاصرٌ عليه دون ذريته من بعده؛ إذ لم تكن العرب تطلق وصف السيد إلا على زعماء القبائل من ذوي الحكم والرياسة في قومهم.
 
وعليه فإنّ اختصاص كل من ينتسب إلى النسب العلوي بلقب: (السيد)، أو (الشريف) دون سائر الناس، هو بدعة سياسية، ونزعة عنصرية؛ أريد بها التمييز النوعي، والاصطفاء الجيني لسلالة البطنين على سائر الناس، حتى على بقية إخوانهم من أهل البيت أنفسهم؛ كما هو ظاهر المذهب الجارودي الهادوي؛ وإن كان غيرهم يوسعون دائرته لكل من هو هاشمي كبني العباس، وآل عقيل، وآل جعفر؛ مع أن من ذرية هؤلاء من هو محسن وظالم لنفسه مبين!

وإن كان كذلك بعض أهل العلم قد جوز مجرد هذا الإطلاق الذي كان في العباسين أثناء حكمهم، ثم الهاشميين، إذا كان لغرض التعارف كاصطلاح عرفي دون ارتباطه بمعنى آخر من معاني التفاضل.

ولكن الحقيقة الغالبة أن لفظ السيادة عند الحاصرين لها في البطنين يقتضي استحاق مزايا سياسية وعرفية متنوعة، غير منعهم من الزكاة، مثل التعظيم والتفضيل على غيرهم، واختصاصهم بالولاية الدينية والدنيوية ….
ولم يعد يصدق هذا الوصف في عمومه على مجرد التعارف وحده، بل تجاوز الاصطلاح العرفي إلى أن جعل منه فوارق اجتماعية وطبقية كبيرة؛ تبدأ بادعاء استحقاق الولاية المطلقة، وتنتهي بحرمة المصاهرة لمن ليس من جنس طبقة القوم؛ وإن كان سيدا عربيا، أو من خيار عباد الله دينا واستقامة وفضلا!

وأصحبت هذه الامتيازات تمنح لمجرد الانتساب فقط للنسب العلوي الفاطمي، وإن كان حاملها مجردًا من أي فضيلة سوى النسب؛ بل قد يكون من أراذل خلق الله دينا وخُلُقا؛ وأبعد الناس عن الله طريقًا ومنهجا!
وهذا حقيقة معروفة؛ حتى قال الإمام الشافعي رحمه اللهُ:
"وهل في الأرض علويٌّ إلا وهو  يظن أن الناس عبيد له"؟!
(ذكره البيهقي في مناقب الشافعي).

والأكثر غرابة في الأمر هو كيف مُنح هذا اللقب للأصول الفارسية التي تكره جنس العرب وتحتقره، ولا تنتمي إليه لسانا ولا نسبا!
 
ومن أبشع صور التسلط والاستبداد والجهل أنها وضعت بالفعل قوانين سياسية في مرحلة من مراحل تخلف الأمة، لتكريس وتعميق جملة من الفوارق الطبقية المقننة، بين الهاشمي وغيره؛ كذلك القانون الجاهلي المنسوب لشريف مكة أبي نمي سيئ الذكر؛ والذي صار عرفا متوارثًا بين أهله من حيث الممارسة السلوكية، لفترة من الزمن!

وفي ذلك القانون من تكريس الفوارق الطبقية بين الهاشمي والقبيلي، ما يتنافى جملة وتفصيلا مع شرع الله ودينه، ويأتي على إلغاء قاعدة الأخوة الإيمانية من جذورها؛ وإسقاط التكافؤ بين المسلمين في الدماء والأعراض والأنساب، بل ويمتهن كرامة وإنسانية الإنسان!

وقد مرت القرون الفاضلة من صدر هذه الأمة، دون أن يكون لهذا اللقب أي وجود في البيت العلوي من ذوي القدر والعلم والفضل؛ ولم يعرف إطلاقه لمجرد النسب إلا بعد ظهور حكم الرافضة البويهيين على بغداد.
وممن اشتهر به: ذانك الأخوان الرافضيان الشريف الرضي، والشريف المرتضى؛ ثم اشتهر وانتشر بعد ذلك، مع حصره وقصره على (البطنين) في عهد الدولة العبيدية الباطنية، الملقبة كذبا وزورا بالدولة الفاطمية؛ واتصل كذلك بعهد الدولة الهادوية الجارودية في اليمن. 

وترى أشد الناس غلوًا في الترويج لهذه الألقاب وإضفاء هالات التقديس والتفخيم عليها هم الشيعة، ثم الصوفية وما تفرع عنهم، وذلك لاشتراك الطائفتين في الغلو، وإيغالهما في البدع وأساطير الخرافة وهوس التبرك ونزعة السلالية!

والحاصل أن هذا اللقب أصبح لقبا عنصريا طائفيا، بل جاهليا مقيتا؛ يُتعالى به على الناس ويبغي به بعضهم على بعض!
وما كان كذلك فإنه يصبح من دعاوى الجاهلية وإن كان أصله شرعيا.
ولذلك جعل النبي صلى اللهُ عليه وسلم قول القائل: يا للأنصار؛ والقائل: يا للمهاجرين؛ من دعوى الجاهلية!
مع أن أصل اللقبين شرعي، ولكن عندما أخرج عن غرضه الشرعي  إلى نزعة الحمية والعصبية، صار جاهليًا؛ فقال صلى اللهُ عليه وسلم: ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة)!

والأصل ألا يسمح القانون في أي مجتمع مسلم، بمثل هذه الألقاب التمايزية لما لها من أثر سيئ على نسيج الوحدة الاجتماعية، ومصادمتها لمبدأ المساواة التامة التي قررها الإسلام بين سائر البشر، ومنع تمييز بعض الناس على بعض بألقاب لا اعتبار لها في ميزان الله وشرعه؛ وإماتة كل الفوارق الجاهلية المنافية لمبدأ:
 (إنّ أكرمكم عندالله أتقاكم)، (إنما المؤمنون إخوة). «وكونوا عباد الله إخوانا».
 «ألا لا فضل لعربي على عجميٍّ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس لآدم وآدم من تراب».

«الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي».
«إنّ اللهَ أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغيَ أحدٌ على أحد».

ومما ينسب للإمام علي رضي اللهُ عنه في هذا، وقيل للشافعي رحمه اللهُ: 
الناسُ مِن جِهَةِ التِمثالِ اَكفاءُ
أَبوهُمُ آدَمُ وَالأُمُ حَوّاءُ
نَفسٌ كَنَفسٍ وَأَرواحٌ مُشاكَلَةٌ
وَأَعظُمٍ خُلِقَت فيها وَأَعضاءُ
وَإِنَّما أُمَّهاتُ الناسِ أَوعِيَةٌ
مُستَودِعاتٌ وَلِلأَحسابِ آباءُ
فَإِن يَكُن لَهُمُ مِن أَصلِهِم شَرَفٌ
يُفاخِرونَ بِهِ فَالطينُ وَالماءُ
ما الفَضلُ إِلا لِأَهلِ العِلمِ إِنَّهُمُ
عَلى الهُدى لِمَنِ اِستَهدى أَدِلّاءُ
وَقَدرُ كُلِّ اِمرِئٍ ما كاَن يُحسِنُهُ
وَلِلرِجالِ عَلى الأَفعالِ اسماءُ
وَضِدُّ كُلِّ اِمرِئٍ ما كانَ يَجهَلُهُ
وَالجاهِلونَ لِأَهلِ العِلمِ أَعداءُ
وَإِن أَتَيتَ بِجودٍ مِن ذَوي نَسَبٍ
فَإِنَّ نِسبَتَنا جودٌ وَعَلياءُ
فَفُز بِعِلمٍ وَلا تَطلُب بِهِ بَدَلاً
فَالناسُ مَوتى وَأهُلُ العِلمِ أَحياءُ

وإنما تكون النسبة التعارفية لأي شخص  إلى آبائه وأجداده أو قبيلته أو بلده أو موطنه دون تمييز، فيقال حسني، أو حسيني، أو علوي، كما يقال بكري، وعمري، وأموي، وعباسي، وقحطاني، ويمني ومصري وهكذا ….

وحتى تعلم أن هذا التمايز الطبقي لمجرد النسب من أحكام وأعراف الجاهلية الأولى، وليس من سمات المجتمع المسلم، فإليك ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهُ في هذه المسألة، من مجموع الفتاوى (35|230)، حيث قال:
"إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل. فإن الله تعالى قال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وقال النبي صلى اللهُ عليه وسلم : "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب". 
ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحد بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. 
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يَدَعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم". 
فجعل الفخر بالأحساب من أمور الجاهلية. فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون أجداده لهم حسب شريف فكيف يكون لكافر من أهل الكتاب فخر على كافر من أهل الكتاب بكون أجداده كانوا مؤمنين؟ وإذا لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة لأحد الفريقين على الآخرين في الدين لأجل النسب، عُلِم أنه لا فضل لمن كان من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل على من كان أبوه داخلا فيه بعد النسخ والتبديل. وإذا تماثل دينهما تماثل حكمهما في الدين …".

وقال في موضع آخر: "وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله". ودين الإسلام إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه لا بآبائه ولو كانوا من بني هاشم أهل بيت النبي صلى اللهُ عليه وسلم . 
فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا؛ وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفا قرشيا. وقد قال الله تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
 وفى السنن عنه أنه قال "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أسود على أبيض ولا لأبيض عل أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب", وفي الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه (قلت: هم آل أبي طالب): "إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين". 

فأخبر النبي أن موالاته ليست بالقرابة والنسب بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟ وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى وإن كان الأول أسود حبشيا والثاني علويا أو عباسيا".

و قال في المنهاج (4|376): «وأما أهل السنة فإنما يعظمون بالتقوى لا بمجرد النسب، قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

وقال في كلام له طويل في المنهاج (4|601): «وأما نفس القرابة فلم يعلق بها ثوابا ولا عقابا ولا مدح أحدا بمجرد ذلك. وهذا لا ينافى ما ذكرناه من أن بعض الأجناس والقبائل أفضل من بعض. فإن هذا التفضيل معناه كما قال النبي r: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". 
فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة كان معدن الذهب خيرا لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه. 
فإن قدر أنه تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج الفضة أفضل منه. 
فالعرب في الأجناس وقريش فيها ثم هاشم في قريش مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في غيرهم. ولهذا كان في بني هاشم النبي صلى اللهُ عليه وسلم، الذي لا يماثله أحد في قريش فضلا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان في قريش الخلفاء الراشدون، وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب؛ وكان في العرب من السابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس. فلا بد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول. 
وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل. كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب، أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء. والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى. 
وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم. فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ودون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى فضلا عمن هو أظم إيمانا وتقوى. 
فكلا القولين خطأ وهما متقابلان. بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة وفضيلة لأجل المظنة والسبب.
والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية. 
فالأول يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد، والثاني يفضل به لأنه الحقيقة والغاية ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله والثواب من الله يقع على هذا لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يستدل بالأسباب والعلامات. 
ولهذا كان رضا الله عن السابقين الأولين أفضل من الصلاة على آل محمد، لأن ذلك إخبار برضا الله عنهم، فالرضا قد حصل وهذا طلب وسؤال لما لم يحصل، ومحمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر الله عنه أنه يصلي عليه هو وملائكته بقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) فلم تكن فضيلته بمجرد كون الأمة يصلون عليه، بل بأن الله تعالى وملائكته يصلون عليه بخصوصه، وإن كان الله وملائكته يصلون على المؤمنين عموما كما قال تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور). ويصلون على معلمي الناس الخير كما في الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير".  

وله رحمه الله كلام كثير مبثوث في مواضع كثيرة من كتبه، وفيما سبق إيراده كفاية، والله الموفق.