العجبُ لا ينقضي من جرأة الكثيرين في وسائل التواصل على الكلام في السياسة، وما يتعلّق بها من تحليلات ومواقف، حدَّ الدخول في صراعات شخصية وحزبية من غير اختصاص ولا متابعة، وكأنهم من كبار المفكرين والمحللين السياسيين والعسكريين والخبراء الاستراتيجيين، مع علمهم بنهيه تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم..} [الإسراء: 36].
فالسياسة ليست كلأً مباحاً، ولا ساحةً بريئة، بل ميدانٌ معقّد تتقاطع فيه المصالح وتخفى فيه الدوافع، وتُصاغ فيه القرارات بلغتين: (ما يُقال… وما يُراد)، ولذا فإن الأصل فيها التعامل بمقتضى التثبّت والحذر والحيطة، وربما سوء الظن أحياناً، وعدم الاغترار بالظاهر والسطح، فهي لا تُفهم بظاهرها فقط، بل بقراءة ما وراءها؛ فقد يظهر الموقف مصلحةً وباطنه كلفة مؤجلة، وقد تُخاطَب العاطفة لتمرير قرارٍ قاسٍ.
كما ينبغي في هذا الباب الحساس والمفصلي والخطير الحذرُ من الخوض بلا أدوات ولا تأهيل ولا وعي، فربما حوّل الإنسان وأوقعه في ترديد مواقف لا يفقه سياقها ولا مآلها؛ فالسياسة لا ترحم الساذج، ولا تعذر المستعجل.
قدِّرْ لرِجلِكَ قبلَ الخطوِ موضعَها **فمن علا زلقاً عن غِرّةٍ زلجا.
والموقف السياسي ليس رأياً عابراً، بل أثرٌ ممتد: قد يبني استقراراً أو يفتح فتنة، وقد يحفظ مصلحة أو يبددها؛ لأن السياسة مسارٌ لا لحظة، والفارق شاسع بين الوعي والسذاجة؛ فالساذج يتكلم قبل أن يفهم، بينما الواعي يفهم ويزن قبل أن يحكم، والسذاجة ليست نقص معلومات فحسب، بل غياب تقدير العواقب.
ويجب على من يخوض في السياسة أن يتحلّى بشروط لا يحسنها كل أحد، إذ تحتاج إلى علم بطبيعة الصراع، وفقه بالواقع وتقلباته، والتحرر من ضغط العاطفة؛ فمن تكلّم بغير ذلك أفسد أكثر مما أصلح.
فالفتاوى السياسية أخطر من الفتاوى الفقهية؛ لأن الفتوى السياسية تتجاوز تنظيم فعل الفرد إلى تشكيل واقع الأمة، لتعلّقها بالمصالح العامة، ولامتداد أثرها في الأمن والاستقرار، ولصعوبة احتواء الخطأ فيها وتداركه.
لذا لا بد فيها من توفر مبدأ الشورى والاجتهاد الجماعي، والمجامع الفقهية ومراكز الدراسات المحيطة علماً بفقه النصوص وفقه الواقع وفقه الموازنات والمآلات، وأخصّ من ذلك الرجوع إلى أهل الاختصاص من ولاة الأمر؛ كونهم أعلم بالخفايا والأبعاد والتحديات والإمكانات، ومنعاً لإثارة البلبلة والتفرق والتنازع والفتنة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]؛ إشارة إلى أن الاستنباط ليس لكل أحد، وإنما لأهل الاختصاص والشأن في كل بلد. وقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وأهل الذكر هم أهل العلم والتخصص كلٌّ في مجاله وفنه.
ولنا من دروس التاريخ والواقع أكبر العبر، ومن أبلغ الدروس في السيرة النبوية: صلح الحديبية، حيث قُدِّم فيه ﷺ بقبوله شروط قريش المتعسفة الجائرة لعذر الضرورة والإكراه، فقهُ المآل على ظاهر الحال.
بينما نجد في واقعنا الحالي أخطاء مدمّرة سببها الاندفاع بلا تقدير، وتغليب الشعارات على الحسابات، وإقصاء أهل الخبرة، وإهمال شرط التكليف بالاستطاعة، وفقه الموازنات عند تزاحم المصالح والمفاسد (بترجيح ارتكاب أعلى المصلحتين ودفع أعلى المفسدتين)، وكذا اعتبار فقه الواقع (النظر في واقع الحال) وفقه المآلات (النظر في نتائج الأفعال).
وأخيراً.. فلا يُكتفى في السياسة بصدق النية ولا سلامة المقصد، حتى ينضم إليهما صحة الفهم ودقة التقدير، وإدراك أنه ليس كل ما يمكن فعله يُحسن فعله؛ فالسياسة ميدان حفظ مصالح أو إهدارها، والخطر ليس في الخطأ فقط، بل في الدخول إليها بلا وعي.
اللهم احفظ بلاد اليمن والمملكة وسائر بلاد المسلمين من كيد المعتدين الأشرار، وانشر في ربوعها الخير والأمن والاستقرار يا رب العالمين.





